في
الأحد 4 محرم 1439 / 24 سبتمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

12-جمادى الأول-1438 02:22 AM

الخطبة الأولى

عباد الله، لقد أمرنا الله بالتمسك بالدين؛ ونهانا عَنِ الغُلُوِّ فيه؛ بل وحذَّرنا مِن ذلك تحذيرًا شديدًا؛ ذلك بأنه جَلَّ جَلاَلُهُ حَدَّ لنا حُدُودًا، وشرع لنا شرائع، وهو يُحِبُّ مِنَّا أن لاَ نَزِيدَ على هذِهِ ولا ننقص مِنها شيئًا؛ ولذا فإنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى شرَع لنا أن نقرأ في كُلِّ ركعة في كل صلواتنا سورةَ الفاتحة، وفيها: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 5 - 7]، وفي هذه الآيات تنبيه للمسلم وتحذير من أن يسلك مسلك المغضوبِ عليهم ومسلكَ الضالين، والمغضوبُ عليهم هم الذين عرفوا الحق وتركوه كاليهود ومن شابههم في ذلك، والضالون هم الذين عبدوا الله جَلَّ وعلا على جهل كالنصارى ومن شابههم في ذلك. ونحن نناجي رب العالمين في هذه القراءة في هذه الصلاة وندعوه أن يهدينا لسلوك المنهج الوسط الذي سار عليه الأنبياء والصديقون والصالحون بالتمسك بالعلم الصحيح والعمل به.



إخوة الإيمان، لقد نهى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أهل الكتاب عن الغلو في الدين؛ الذي كان السبب الرئيس في انحرافهم عن التوحيد وما جاءت به أنبياؤهم، وفي هذا دعوة للدين الحق بوسطيته واعتداله، ولنا في هذا التوجيه عظة وعبرة، قال تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَ الْحَقِّ ﴾ [النساء: 171].

وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التحذيرُ مِنَ الغلو في الدين في أحاديثَ كثيرة، من أظهرها قولُه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كما في حديث ابن عباس: (إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ) رواه ابن ماجه وصححه الألباني، وذكر عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عاقبةَ الغالين في الدينِ فقال: (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ؛ هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ؛ هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ) رواه مسلم.



فنحن أمة وسط، أمرنا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن نستقيم على أمره الذي شرعه لنا؛ كما قال جَلَّ جَلاَلُهُ مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [هود: 112]؛ فالشرع لم يُوكل إلى عقولنا، ولا إلى أهوائنا؛ ولا إلى اجتهاداتنا، بل اتباع لما جاء في الكتاب والسنة وكفى؛ وفهمهما الفهمَ الصحيح؛ فهم الصحابة والسلف الصالح.


جاء ثلاثُ رهطٍ إلى بُيوتِ أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، يَسأَلونَ عن عبادةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبِروا كأنهم تَقالُّوها، فقالوا: أين نحن منَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؟ قد غفَر اللهُ له ما تقدَّم من ذَنْبِه وما تأخَّر، قال أحدُهم: أما أنا فإني أُصلِّي الليلَ أبدًا، وقال آخَرُ: أنا أصومُ الدهرَ ولا أُفطِرُ، وقال آخَرُ: أنا أعتزِلُ النساءَ فلا أتزوَّجُ أبدًا، فجاء رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال: (أنتمُ الذين قلتُم كذا وكذا؟ أما واللهِ إني لأخشاكم للهِ وأتقاكم له، لكني أصومُ وأُفطِرُ، وأُصلِّي وأرقُدُ، وأتزوَّجُ النساءَ، فمَن رغِب عن سُنَّتي فليس مني) رواه البخاري.



إذن؛ فالشرع وَحْيٌ مُنَزَّلٌ مِنَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ لا يجوز للمسلم أن يزيد فيه شيئًا أو يُنقص؛ بل إن عمله لا يقبل عند الله إلا إذا توفر فيه شرطا: الإخلاص لله، والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم.

ولذا فإن كثرةَ التَّعَبُّدِ وكثرةَ التَّنَسُّكِ لا تُغنِي عن المرء شيئًا إذا لم يَكُن تَنَسُّكُهُ وتَعَبُّدُه وفقًا لِما جاء به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ولذا فإن النَّصَارى حينما ابتدعوا رهبانية جعلوها على أنفسهم ما كتبها الله عليهم؛ لم يقبل الله جَلَّ وَعَلاَ منهم.


إخوة الإسلام، تأملوا صفةَ الخوارج التي جاءت في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وسيتبين لكم يقينًا أنَّ مَن تعبد الله جَلَّ وَعَلاَ على غير هَدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن عمله باطل؛ فلا يُغترُّ به، ولا يُنخدع به، مهما جلب على نفسه من مظاهر التدين والعبادة. يقول نبينا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: (سيكونُ في أُمتي اختلافٌ وفرقةٌ، قومٌ يُحسنون القيلَ ويُسيئونَ الفعلَ، يقرأونَ القرآنَ لا يجاوزُ تراقِيهم، يمرُقون من الدينِ مروقَ السهمِ منَ الرَّميَّةِ،...، هم شرُّ الخلقِ والخليقةِ، طوبى لمنْ قتلهمْ وقتلوهُ، يدعونَ إلى كتابِ اللهِ وليسوا منه في شيءٍ، مَن قاتلهمْ كان أولى باللهِ منهمْ...) رواه أبو داود عن أنس رضي الله عنه وصححه الألباني.

لماذا يُحَدِّثُنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تلك الفِرقة المارقة بهذا التحذير بل وآمرا بقتلهم؟ الجواب: لأنهم تعبَّدُوا على غير هَدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويزعمون أنهم على الحق، فَضَلُّوا ﴿ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ ﴾ [المائدة: 77]؛ ولأن ضررهم يتعدى إلى غيرهم، بل يؤدي ضلالهم إلى استحلال الدماء المعصومة.



وقد كانت أول بذرة الخوارج من ذو الخويصرة الذي اعترض على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقال: اعدل يا محمد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وَيْلَكَ! مَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟!) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ له أَصْحَابا يحْقِرُ أحدكم صَلاَتَه مع صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَه مع صِيَامِهِمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدين كَمَرُوقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) الحديث عند البخاري.

ظهر الخوارج وخرجوا على عثمان ذي النورين الذي تزوج بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ الخليفة الراشد بعد أبي بكر وعمر رضي الله عنهم، الذي شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، وقتلوه زاعمين أنه كافر! وهم يزعمون أنهم بذلك يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر!.



ثم بعد ذلك خرجوا على الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه زوج ابنة الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، ويا ليت شعري! بمَ اتهموه؟! اتهموه بأنه لا يحكم بكتاب الله وشريعته! ووالله ما صدقوا؛ وقد حرص عليٌ رضي الله عنه على محاربة فكرهم ووأد فتنتهم، ولم يرضَ رضي الله عنه أن يقاتلهم ابتداءً؛ بل بعث إليهم ابنَ عبَّاس، فبَيَّن لهم الحق، فكشف شبهاتهم، وأنهم قد تمسكوا ببعض ظواهر نصوص القرآن والسنة، وهي لا تغني عنهم شيئًا؛ إذ لم يفقهوها، وبعد المحاورة اقتنع منهم ألفان ورجعوا عن فكرهم الضال وقد كانوا قرابة ستة آلاف. ثم ناقش علي رضي الله عنه بنفسه من بقي على الفكر الضال، فلما رأى ضلالهم وإصرارهم قاتلهم ومعه جمع الصحابة؛ فمزَّقَهُم كُلَّ مُمَزَّقٍ.

رضي الله عن الصحابة أجمعين، وكبت أعداءهم في كل زمان ومكان. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله


الخطبة الثانية

تأمَّلوا - عبادَ الله – حوادث أهل الغلو، وانظروا إليها بعين الاعتبار، واعلموا أن الغُلُوَّ والتَّشَدُّدَ في الدِّين هو الذي يقود إلى التكفير واستحلال الدماء وترك الوسطية التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هنا فإننا نقول للناس عمومًا: إنه ليس كُلُّ مَن تظاهر بالدِّين وتسمى بالتدين فإنه على حق؛ بل الحق مع من يوافقون رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أقواله وأفعاله، ولا يزيدون على شيء مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ينقصون. ولنعلم يقينا أنه ليس كل عامل يحضا بالأجر عند الله، بل كثيرٌ ممن يعمل ويجتهد في العمل يعاقب وربما يحسب أنه يُحسِن صنعا، يعاقبُ لأنه انحرف عن منهج الله ولو كانت نيته طيبة، بل لابد مع طيب النية طيبُ العمل، واقرؤوا قولَ الله جَلَّ وَعَلاَ: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ﴾ [الغاشية: 24]؟! فهي عاملة ونهاية أمرها النصب والعذاب.



ولا يزال الخوارج أهل الغلو يظهرون بين فترة وأخرى فيُكبتون ثم يَضعفون، ثم يعودون بعد فترة من الزمن؛ إلى زمن الدجال كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يزال افتتان الناس بهم، ولا يزال شرُّهم وفتنتُهم. ونحن نرى اليوم من يُسمون بالدواعش يسيرون على خطى أسلافهم، وقد غرروا - مع شديد الأسى والأسف - بكثير من شباب المسلمين وجندوهم لهم.

كبت الله شرهم وكفانا وبلاد المسلمين فتنتهم وحما شبابنا من فكرهم الضال ومنهجهم الأعوج.

اللهم فقهنا في الدين، وبصرنا بالحق، وارزقنا حسن العمل.

اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق...

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/112199/#ixzz4YBbSkoFI


خدمات المحتوى
    زيارات 528


أ. عبدالعزيز بن أحمد الغامدي
تقييم
8.00/10 (10 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري