في
الأحد 4 محرم 1439 / 24 سبتمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

12-جمادى الأول-1438 02:22 AM

الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ملكه يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله،

اللهم صلَّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد: أمة الإسلام؛

لم يعد من العجب الآن أن نستيقظ على خبر أن فلاناً قتل أباه أو أخاه أو جاره أو زوجه... إلخ

أو أن فلاناً مات منتحراً.

وعندما تذهب إلى أقسام الشرطة أو المحاكم تريد أن تطلع على محاضر الشرطة أو القضايا محل الخلاف والنزاع ستصاب بالذهول من كثرة الخلافات والنزاعات وتشعبها وتنوعها.



والسؤال الذي يطرح نفسه:

كيف وصل المجتمع إلى هذه الحالة من عدم الأمان وعدم الاستقرار؟

إنه البعد عن تعاليم الإسلام ووصايا النبي صلى الله عليه وسلم لأمته؛ فقد رسخ الإسلام قواعد الأمن في المجتمع المسلم ليستقر أفراده وينعموا بالسلام والتسامح والاستقرار والهدوء النفسي.

لقد رسخها النبي صلى الله عليه وسلم في سياق عام فقال: (أفشوا السلام بينكم)

عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم)[1]

والسلام ليس مجرد كلمات باللسان ولكنه شعور بالوجدان وتطبيق بالأعضاء.

والمتأمل في وصايا النبي صلى الله عليه وسلم وأوامره يجدها داعية إلى أمن واستقرار المجتمع بين كل أفراده وحتى بين المسلمين وغيرهم ممن يعيشون معهم على أرض واحدة ووطن واحد.



تحقيق الأمان مع الأعداء:

نجد الدعوة إلى الأمان حتى مع الأعداء قال تعالى ﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [2]

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: (وإن جنحوا) أي: مالوا (للسلم) أي المسالمة والمصالحة والمهادنة، (فاجنح لها) أي: فمل إليها، واقبل منهم ذلك؛ ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسع سنين؛ أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا.[3]



بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم زجر بعض أصحابه لما تعدوا على رجل ألقى عليهم السلام فظنوه يتربص بهم فقتلوه ونزل فيهم قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [4]



قال القرطبي رحمه الله: "وهذه الآية نزلت في قوم من المسلمين مروا في سفرهم برجل معه جمل وغنيمة يبيعها فسلم على القوم وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ فحمل عليه أحدهم فقتله. فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم شق عليه ونزلت الآية. وأخرجه البخاري عن عطاء عن ابن عباس قال: قال ابن عباس: كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته؛ فأنزل الله تعالى ذلك إلى قوله: عرض الحياة الدنيا تلك الغنيمة. قال: قرأ ابن عباس "السلام ". في غير البخاري: وحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته إلى أهله ورد عليه غنيماته[5].



وجعل صلى الله عليه وسلم عهد الأمان من المسلمين جميعا واحداً قال صلى الله عليه وسلم: (ذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين).[6]



وطبق صلى الله عليه وسلم ذلك بنفسه فقد أجاز عهد الآمنان من امرأة وهي أم هانئ بنت أبي طالب - رضي الله عنها - تقول: ذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره بثوب، قالت: فسلمت، قال: من هذه؟ فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: مرحبا بأم هانئ، فلما فرغ من غسله، قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد، ثم انصرف، فقلت: يا رسول الله، زعم ابن أمي على أنه قاتل رجلا أجرته فلان بن هبيرة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ، قالت أم هانئ: وذلك ضحى.[7]



بل إنه صلى الله عليه وسلم ضرب المثل الأعظم يوم فتح مكة لما تعامل مع أعدائه بمبدأ التسامح وإعطائهم الأمان الكامل رغم قدرته عليهم قال لهم: (اذهبوا فأتنم الطلقاء).



تحقيق الأمان مع المسالمين غير المسلمين

وأما غير المسلمين من المسالمين فلهم الأمان الكامل ولهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين في المجتمع المسلم.

قال تعالى يحث على العيش المشترك في أمان واطمئنان بين المسلمين وغيرهم ﴿ لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾.[8]



عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: قدمت قُتيلة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا: صناب، وأقط، وسمن، وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها، وأن تدخلها بيتها، فسألت عائشة النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله، عز وجل: ﴿ لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ إلى آخر الآية، فأمرها أن تقبل هديتها، وأن تدخلها بيتها.[9]

وقال صلى الله عليه وسلم: (من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين خريفا).[10]

هكذا الإسلام يتعامل مع غير المسلمين بمبدأ السلام حتى مع الأعداء إن أزعنوا له ومالوا إليه.

ويتعامل مع غير المسلمين بالسلام وإعطائهم الأمن الكامل في المجتمع.

فكيف هو الحال بين المسلمين وكيف لو عقدنا مقارنة بين مجتمعات المسلمين اليوم وبين ما دعا إليه الإسلام؟!.



تحقيق الأمان بين المسلمين:

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التقاتل بين المسلمين وتوعد المتقاتلين بالعذاب الأليم يوم القيامة القاتل منهم والمقتول قال صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار. فقيل: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟! قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه) [11]

فيا للعجب كيف يجازف مسلم بمستقبله في الأخرة حين يتنازع مع مسلم مثله فيعمد إلى قتله فيُقتل أو يَقتل!

إنه ضعف الإيمان والثقة بالله وبكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولحفظ الأمن في المجتمع المسلم شرع الله تبارك وتعالى القصاص في القاتل العمد النفس بالنفس والدية في القتل الخطأ حتى تنتهي المشكلة التي من الممكن أن تعصف بالمجتمع بكامله فتنتهي عند من أوقعوا أنفسهم فيها وبادروا إليها وحتى يكون ذلك رادعاً لغيرهم ممن تسول له نفسه ويدعوه كبره للتعدي على أحد أفراد المجتمع قال تعالى: ﴿ ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ﴾ [12]



فالقتل للقاتل حتى ينعم باقي المجتمع بالحياة والأمن والاطمئنان.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: وقوله: ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ يقول تعالى: وفي شرع القصاص لكم وهو قتل القاتل حكمة عظيمة لكم، وهي بقاء المهج وصونها؛ لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل انكف عن صنيعه، فكان في ذلك حياة النفوس. وفي الكتب المتقدمة: القتل أنفى للقتل. فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح، وأبلغ، وأوجز.[13].



وشرع الله تبارك وتعالى حد الحرابة لصد الخارجين على المجتمع المروعين للآمنين فيه قال تعالى: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴾ [14]



لكن أين هو هذا الأمان اليوم بين أفراد المجتمع؟

أين الأمان بين الجيران وما أدراكم ما الجيران في شريعة الإسلام وصف النبي صلى الله عليه وسلم علاقتهم فيما روي عنه؛ فعن مجاهد أن عبد الله بن عمرو ذبحت له شاة في أهله فلما جاء قال: (أهديتم لجارنا اليهودي أهديتم لجارنا اليهودي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)[15].



وعن أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جاره فقال (اذهب فاصبر فأتاه مرتين أو ثلاثا فقال اذهب فاطرح متاعك في الطريق) فطرح متاعه في الطريق فجعل الناس يسألونه فيخبرهم خبره فجعل الناس يلعنونه فعل الله به وفعل وفعل فجاء إليه جاره فقال له ارجع لا ترى مني شيئا تكرهه[16].



ولعل بعض المسلمين اليوم لو فعل جيرانهم كفعل هذا الرجل وطرحوا أمتعتهم في الشارع لاحتلوا بيوتهم وفرحوا بتركهم بيوتهم ولا عجب في زمن العجب وانعدام المروءة وتفشي الأخلاق السيئة واستساغة أكل الحقول وانعدام الأمان في المجتمع.



مع أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل من كمال الإيمان تجنب أذى الجيران؛ فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت) [17]



وقال صلى الله عليه وسلم مؤكدا وجوب الأمان للجار: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن " قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: " جار لا يأمن جاره بوائقه " قالوا: وما بوائقه؟ قال: " شره ")[18]



وعن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه) [19]

ومن أنواع أذى الجار التي أكد النبي على النهي عنها وعدها من أعظم الذنوب بعد الشرك بالله وقتل الولد مخافة الفقر، الزنا بحليلة الجار، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل ندا وهو خلقك قلت: إن ذلك لعظيم ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك)[20]

وشريعة الإسلام لم تترك أمراً يمكن أن يتسبب في نزاع وشحناء بين المسلمين إلا ورسخت قانونا له حتى يعيش المجتمع المسلم في أمن وأمان وسلامة واطمئنان.



الخطبة الثانية

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:

عباد الله: ومن الأمن في المجتمع المسلم أن يأمن الناس على أعراضهم؛ فلقد لقَّن القرآن العظيم درساً بليغا للمؤمنين لا يتناسوه إلى يوم القيامة في تأمين الأعراض وعدم الخوض فيها بآيات من سورة النور نزلت على رسول الله لتبرأة أمنا عائشة وتحذير المؤمنين من الخوض في الأعراض قال تعالى "إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون"[21].



وحصن الأعراض بوجوب الإشهاد أربعاً أو الحكم بالكذب على المدعي قال تعالى: ﴿ لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ﴾ [22].



وأوجب حد القذف على المدعي إذا لم يأتي بالشهداء قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾[23] (وفي البيع والشراء أمن، حث عليه الإسلام، قال تعالى: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾ [24].



وكأن الأصل بينكم هو الأمان وكل ما كان في أول الآية من الرهن والآية التي قبلها من الكتابة والإشهاد إنما هو لأجل تحقيق الأمان.

ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الغش في البيع والشراء والمعاملات قال صلى الله عليه وسلم: (من غش فليس منا) [25]



وحتى المارة في الشارع أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان وأمر المؤمنين بأن يؤمنوهم ولا ينتهكوا حرماتهم أو يؤذوهم فعن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والجلوس في الطرقات قالوا يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه قالوا وما حقه قال غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)[26]

وقال صلى الله عليه وسلم تأميناً للطرقات أيضاً: (وتميط الأذى عن الطريق صدقة)[27]

وما شرعت الحدود في الإسلام إلا لتأمين المجتمع من أن يجور فرد أو جماعة منه على المجموع أو أحد أفراد المجتمع.

وفي داخل كل أسرة شرع الإسلام القوانين لحفظ الأمن والاستقرار لكل أسرة في المجتمع وبالتالي ينعكس هذا الأمن على جميع أفراد المجتمع.



ولتأكيد هذه الشمولية للأمن في الإسلام قال الله تعالى: ﴿ "لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتاء والصيف * فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ﴾ [28].

عدد المفسرون مفهوم الأمن الوارد في الآية الكريمة فقال بعضهم هو الأمن من الإغارة عليهم سواء في السفر أو الحضر وقال بعضهم أي من الجذام في إشارة إلى تأمين الله لهم من الأمراض وقيل من زحمة الفيل وأشمل ما قيل فيها من تفسير أن الله أمنهم بالإسلام.

وهو ما يدل على أن الإسلام شامل لمفهوم الأمن بمعناه الواسع.

نسأل الله العلي القدير أن يجعل بلاد المسلمين آمنة مطمئنة وأن يرزقنا إخلاص العبادة وحسن العمل.

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/112176/#ixzz4YBbf7Eto


خدمات المحتوى
    زيارات 554


محمود الشال
تقييم
1.00/10 (1 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري