في
الأحد 4 محرم 1439 / 24 سبتمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

12-جمادى الأول-1438 02:23 AM

الحمد لله الغفور الشكور، ذي الفضل الكبير، مغدق الخير على من توجه إليه ومرسل المواهب الحسان لمن دلَّ الخلقَ عليه، لا إله إلا هو نعم المولى ونعم النصير.

يا أخا الإسلام:

عاشِرْ من النَّاسِ كِبارَ العُقُولِ
واترك الجُهَّالَ أَهلَ الفُضُولِ
واشربْ نقيعَ السُمِّ من عَاقلٍ
واسْكُبْ على الأَرْضِ دواءَ الجَهُولِ





وأشهد أن لا إله الله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، واهب الهدى وفياض الندى ومجير العباد من العباد.. تقدس جاهه وعز سلطانه وهو العليم القدير.

وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه، الرحمة المهداة للأنام بأمن الإسلام، فجاء بشرعة الأمان للخائفين وأنار به ىالعقول الله وشرح به الصدور.

اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.



أما بعد:

فقد أشرق نور الإسلام على الدنيا وقد كانت الأرواح والمقدسات والأموال مستباحةً من أهل الهوى في ليلٍ غافٍ سكرانٍ يطحن البشر تحت مطارق الهذيان، وحينها كان الاستخفاف بأرواح البشر هو اللغة السائدة على أديم الأرض، وكان الخوف هو أظهر المشاعر على وجوه الناس؛ خوفٌ من المستقبل القريب الذي ربما يتفجر بالحرب بعد الخصومة، وخوفٌ على الأرواح من نزق السيوف، وخوفٌ على الأعراض من استباحتها بالغواية والاستطالة، وخوفٌ من ضياع الأموال إِبَّانَ تنقلها بين رحلات الشتاء والصيف، والأمر باختصار يفسر الواقع الأليم الذي كان يغشى جزيرة العرب المُتَخَطَّفَةَ بين أعلام الخوف المريع والظلم الشنيع، قال الله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ [العنكبوت: 67].



وجاء الإسلام العظيم مشرقاً بالأمن كجرعة الدواء للخائفين وأعلن كلمته لهذا العالم المطعون في قيمه قديمه وحديثه بأنه دين السلامة من عطوب الخرق والنزق والتخويف والبغي والعدوان، وفي ظلاله المباركة ذاق الإنسان مطلق الإنسان أَنَى وصله الإسلام طعمَ الأمان الحقيقي لأول مرةٍ في التاريخ بوحيٍ آمرٍ من نصوص القرآن والسنة المطهرة مباشرةً بوجوب الحفاظ على الأرواح والمقدسات والممتلكات، ولا غرو؛ أن كانت الكليات الخمس التي أُمِرْنا بحفظها هي النفس والعقل والدين والعرض والمال.



ومن الركائز الهامة لفهم هذا الدين العظيم أنه ينشر الأمان في ربوع النفس والحياة في باب البشائر واستشراف المستقبل بالأمل، قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: "... فو الذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد وليفتحن الله كنوز كسرى بن هرمز قلت: كسرى بن هرمز قال: نعم... " (مسند أحمد / أول مسند الكوفيين 17796)، فمع سلطان الإسلام ينتشر الأمان لدرجة أن المرأة المسافرة لا تلقى خوفاً ولا إرهاباً بل تجد الأمان على نفسها وما معها.



وعلى هذا الفهم السوي عن الإسلام العظيم قامت حضارتنا لتغمر الأرض بالسكينة وحفظ الحرمات ورعاية الأرواح والممتلكات، وحيثما حل المسلمون في أصقاع الأرض لنشر الإسلام أو التجارة أو طلب العلم في سابق الأزمان كانت مظلة الأمان تعمُّ جميع الأنام ولم يخلفوا وراءهم إلا الحضارة والإخاء البشري فكلنا أولاد آدم، غير تلك النتيجة المرجفة في البلاد والعباد التي خرجت من أيادي الدول الغربية وأهلها الذين يقاسموننا فكرنا ورؤانا راغبين نقل الصور التي يرومونها من ديارهم إلينا فعلَّمُوا هذا الجيل ثقافة القتل في إعلامهم وأفلامهم وتجارة السلاح بجميع أنواعه ليُديروا مصانعهم ويحركوا اقتصادهم من أقوات الشعوب الأخرى، كأنها خطة إبليسٍ في خلق أزماتٍ وحلها على هواهم، فخرقوا بذلك ستار الأمان المنشود، وعمقوا روح العداء في أرجاء الأرض لتدوم لهم الريادة والسبق.



هذه وسائلهم وتلك أساليبهم باديةٌ في آثار أقدامهم في بلادنا وعواصمنا المسلمة حيث خلفوا الملايين من اليتامى ومشوهي الحروب والمصابين إضافة إلى من فارقوا الدنيا وأفنوا أعمارهم تحت نار الأسلحة المصنعة في بلاد الحضارة والعواصم الباردة التي تنشر الفزع والرعب والتدمير في العالم الإسلامي بالذات، ولهم في ذبذبة الأوضاع وخلق ثغرات جديدة كل يوم أنيابٌ ومآرب لا تخطئ أهدافها في أوطاننا.



إن الإسلام لم يعلن حرباً على أي أمةٍ من ذاته إلا إذا دُفِعَ إليها دفعاً للحفاظ على المقدسات والحرمات، وقد ظل الإسلام في مكة بداية أمره ثلاثة عشر سنة كاملة وهو يدعو إلى السلام ولا يقابل سيئات الأغيار إلا بالحسنى والدفع بالمعروف وذلك كله رعاية للأمان.



وفي باب وجوب التأمين المجتمعي على النفس وحفظها قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ... ﴾ [الإسراء: 33]، وقال الله تعالى بيانا عن خطورة القتل وتوعد القاتلين: ﴿ ... أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا.... ﴾ [المائدة: 32]، وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك والذي نفسي بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله منك ماله ودمه وأن نظن به إلا خيراً " ( سنن ابن ماجة 3923).



والأمانة من الأمان ولهذا؛ كان صلى الله عليه وسلم أوسع الناس أمناً في أمانته وقد نعته حساده وأعداؤه قبل محبيه بأنه هو الصادق الأمين، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "... اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي..." (سنن الترمذي 3871 عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما)، وجعل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم استحواذ الأمان كأنه ثلث الحياة الدنيا حين قال: "من أصبحَ منكم آمِنًا في سِربِه معافًى في جسدِه عندَه قوتُ يومِه فَكأنَّما حيزت لَه الدُّنيا بحذافيرِها" (ابن حجر العسقلاني في تخريج مشكاة المصابيح 5 /15 عن عبد الله بن محصن وقال: حديثٌ حسنٌ).



ولعظم الأمان وجلال قدره فقد كان طِلْبَةَ الخليلِ في دعائه لأم القرى قبل أن تظهر معالمها، قال الله تعالى على لسان نبيه ابراهيم عليه السلام: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ... ﴾ [البقرة: 126]، وهكذا صار الأمان على البيت العتيق وحرمه معلماً ونعتاً، قال تعالى: ﴿ ...أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [القصص: 57]، بل امتن الله تعالى على أهل قريش بنعمة الأمان بعد ذلك على الدوام فقال تعالى: ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾ [قريش: 3، 4]، وجعلَ الله الأمانَ نوراً يشرقُ من بعيدٍ لمن توجهَ إلى البيت الحرام فقال الله تعالى: ﴿ ... لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ... ﴾ [الفتح: 27]، ونالت مصر المباركة صكَّ الأمان إلى ختام الزمان من ربنا المنان، قال الله تعالى: ﴿ ...وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ... ﴾ [يوسف: 99].



وقد اتخذت الدول في ديوان حضارتها رجالاً متخصصين في نشر الأمن وتنظيم حركة المجتمع في الأسفار واستخراج الثبوتيات الهامة وحراسة المشافي والمحاكم والجامعات والموانئ والحدود، وتبعاً للتطور العمراني في شتى دروب الحياة فقد تنوعت الاختصاصات بين رجال مقاومة الانحراف الخلقي وسرقة الأموال العامة ونهب الآثار ومراقبة السلع الغذائية ومرافق المجتمع المدني على العموم، وكل النفوس التي تعمل في مثل هذه المجالات في ديننا لها أجرها عند ربها يوفيها بالخير على قدر تقواها وهذه من صور حراسة المجتمع في سبيل الله وطلب مرضاته قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: "عَينانِ لا تمَسَّهما النَّارُ: عينٌ بكت من خشيةِ اللهِ، وعينٌ باتت تحرسُ في سبيل اللهِ" (سنن الترمذي 1639 عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما وقال: حديثٌ حسنٌ)، فحارس الفضائل في عمله من رجال الأمن سلعةٌ غاليةٌ وعملةٌ نادرةٌ وهو كريمٌ في مآخذه ومتاركه ومناشطه وغدوه ورواحه، أما من حاد عن طرق الصلاح بأي صورة من صور البغي والعدوان والتظالم أو أكل المال الحرام فقد تردي في عطوب الخيانة للأمة والإثم والخنا وتضييع الأمانة وصار من مغتالي أمن أمته.



ولنتخيل كيف ستكون الحياة عند افتقاد الأمن ورجاله! وكم من مهازل وقعت وأعراض استبيحت وأموال نهبت من مكامن حرزها في أوقات الهرج وعدم الانضباط المجتمعي، وأفراد المجتمع على صدق هذا الكلام خير شاهد.



ولا شك أنَّ ضياع الأمان في المجتمع نذير عقاب قال الله تعالى: {﴿ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ﴾ [الإسراء: 59]، وقال الله تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [النحل: 112]، ومن البلاء الواقع بالإنسان أن يساوره الخوف بعد الأمان، قال الله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 155].



وحيثما افتقد الإنسان الأمان فلا طعم يومئذٍ للحياة، حيث لا ينعم براحة ولا نوم ولا يهنأ بطعام ولا وئام، وحينئذٍ يستبدل الاستقرار بالنزوح والتنقل طلباً للأمن على نفسه وعرضه وذويه، ومن ثم ستتوقف مرافق التقدم الاجتماعي وتعم البلوى ويكون الهم الأكبر لهذا المبتلى هو أن يحافظ على بقية عمره ومن معه وهذا واقع مُشَاهَدٌ لا تخطئه العيون على الشاشات ومحطات نقل الأخبار على مدار الساعة، ففقد الأمان باختصارٍ هو فقد للحياة.



لو ضاع الأمان يضيع الشرف وتَزْوِي صور العبادة كرحلات الحج والعمرة وطلب العلم والتجارة الحلال في الأرض، ولو ضاع الأمان لساءت الأخلاق وعم النفاق والشقاق، ومع ضياع الأمان تتوقف وَثَبَاتُ الإنسان للضربِ في الأرض والكفاح البشري في الزراعة والبناء والمعامل والمدارس.



صناعة الأمان في المجتمع:

والمسلم صانع أمانٍ بالدرجة الأولى لأنه قد أَمَّنَ الناس من لسانه بالقول الشانئ ومن يده بالأذى، قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: "المسلمُ من سلِم المسلمون من لسانِه ويدِه، والمهاجرُ من هجر ما نهى اللهُ عنه" (صحيح البخاري 6484 عن عبدالله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما)، وخصوصاً من يلقاه على الدوام كالجار لا بد وأن يكون الأمن هو لغة التعامل بينهما، قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: "واللَّهِ لا يؤمنُ واللَّهِ لا يؤمنُ واللَّهِ لا يؤمنُ قالوا وما ذاكَ يا رسولَ اللَّهِ قالَ الجارُ لا يأمنُ جارُهُ بوائقَهُ قالوا يا رسولَ اللَّهِ وما بَوائقُهُ قالَ شرُّهُ" (أحمد شاكر في مسند أحمد 14 /262 عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وقال: إسناده صحيح)، والمسلم صانع الأمان في معاملاته، قال الله تعالى: ﴿ ...فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ... ﴾ [البقرة: 283].



ومن صناعة الأمان المجتمعي عدم ترويع الآمنين بأي حجةٍ مهما كانت وجاهتها، ففي الحديث الشريف: "لا يحلُّ لمسلمٍ أن يروِّعَ مسلمًا" (الألباني في صحيح أبي داود 5004 عن عبدالرحمن بن أبي ليلى وقال: حديثٌ صحيحٌ)، ولصيانة الأمن في نفوس المسلمين فإن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حذَّرَ المسلم من مجرد رفع السلاح أو الإشارة به في وجوه الناس فقال: "من أشار إلى أخيه بحديدةٍ، فإنَّ الملائكةَ تلعَنُه . حتَّى وإن كان أخاه لأبيه وأمِّه" (صحيح مسلم 2616 عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه).



الإيمان هو الأمان:

والإيمان عصمة النفوس من الخوف وفيه مغانم الأمن والعقبى السعيدة، قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82]، والأمن هنا بمعنى التوفيق في الفهم وحسن المعتقد وقوة الحجة كما كانت للخليل إبراهيم عليه السلام، وعن جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: "خرجنا معَ رسولِ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - فلمَّا برزنا منَ المدينةِ إذا راكبٌ يوضَعُ نحونا فقال رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - كأنَّ هذا الرَّاكبَ إياكم يريدُنا قال فانتَهى الرَّجلُ إلينا فسلَّمَ فرددنا عليهِ فقال لهُ النَّبيُّ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - من أينَ أقبلتَ قال من أَهلي وولدي وعشيرتي قال فأينَ تريدُ قال أريدُ رسولَ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - قال فقد أصبتَه قال يا رسولَ اللَّهِ علِّمني ما الإيمانُ قال تشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ وتقيمُ الصَّلاةَ وتؤتي الزَّكاةَ وتصومُ رمضانَ وتحجُّ البيتَ قال قد أقررتُ قال ثمَّ إنَّ بعيرَه دخلت يدُه في شبَكةِ جُرذانٍ فَهوى بعيرُه وَهوى الرَّجلُ فوقعَ على هامتِهِ فماتَ فقال رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - عليَّ بالرَّجلِ فوثبَ إليهِ عمَّارُ بنُ ياسرٍ وحذيفةُ فأقعداهُ فقالا يا رسولَ اللَّهِ قُبِضَ الرَّجلُ قال فأعرضَ عنهُ رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - ثمَّ قال لَهما رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - أما رأيتُما إعراضي عنِ الرَّجلِ فإنِّي رأيتُ ملَكينِ يدُسَّانِ في فيهِ من ثمارِ الجنَّةِ فعلمتُ أنَّهُ ماتَ جائِعًا ثمَّ قال رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - هذا واللَّهِ منَ الَّذينَ قال اللَّهُ - تعالى - فيهم: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82] ثمَّ قال صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ دونَكم أخاكم قال فاحتملناهُ إلى الماءِ فغسَّلناهُ وحنَّطناهُ وَكفَّنَّاهُ وحملناهُ إلى القبرِ فجاءَ رسول الله صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ } (الحكمي في معارج القبول 2 /617 وقال الحكمي: المتن صحيح)، فإيمان هذا الرجل ظلله بالأمان والنجاة.



والمساجد فيها أقوى مظاهر الإيمان والأمن والرغد الروحي في الدنيا قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "... ومن دخل المسجدَ ؛ فهو آمِنٌ . فتفرَّق الناسُ إلى دُورهم، وإلى المسجدِ" (الألباني في السلسلة الصحيحة 3341 عن عبد الله بن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما وقال: صحيحٌ بمجموعِ طُرِقِهِ)، وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه لأحد أصحابه: "لتَكُنِ المساجدُ بيتَك فإنِّي سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ ضمِنَ لمن كانتِ المساجدُ بيتَه الأمنَ والجوازَ على الصِّراطِ يومَ القيامةِ" (البزار في الأحكام الشرعية الكبرى 2 /48 وقال: إسناده حسنٌ).



وإذا خلا قلب العبد من الإيمان أو قلَّ منسوبه كان عُرْضةً للقلق والوساوس والاضطراب وعدم الاتزان، ومن فقد الأمان بتضييع الدين فقد أمات نفسه وقلبه رغم أنه ما زال يسعى على قدمين على حد قول إقبال:
إذا الإيمان ضاع فلا أمان
ولا دنيا لمن يحي دينا
ومن رضي الحياة بغير دينٍ
فقد جعل الفناء لها قرينا



وفي الجنة الطيبة مطلق الأمان في مدخلها ومقامها قال الله تعالى: ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ ﴾ [الحجر: 46]، ويُنادَى على أهلها: ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ [الأعراف: 49]، وفي الجنة لا يمرض أهلها ولا تُبلى ثيابهم ولا يَخْلَقُ شبابهم ولا يجوعون ولا يَبْأَسُون وليس في الجنة من يعكِّر الصفو أو يخيف النفس أو يخون، قال الله تعالى لأبينا آدم: ﴿ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى ﴾ [طه: 118، 119]، فهي وراثة السعادة الدائمة والمقام الخالد حيث تذهب الأحزان ويتبدد الخوف ويعمَّ الأمان الحقيقي.



وأخيراً:

إن الأمان قيمةٌ عظمى لا يستغنى عنها العقلاء في مجال الخُلُقِ، فنحن مفتقرون إلى الأمن الخلقي بمعنى أن يجد المسلم نفسه آمناً على ذاته من أخلاق المجتمع وعادات الناس وسلوكياتهم، وأمن الأخلاق لا يقل قيمةً أبداً عن الأمن على الأرواح، ويجب أن يدرك المسؤولون منا خطورة أخلاق السوء على أمن المجتمع.



ونحن جدّ مفتقرين أيضاً إلى الأمن الفكري بمعنى حفظ الفكر من غوائل التنطع أو التفلت، فينا من رفع عقيرته وتحدث باسم هذا الدين العظيم وهو في عالم الفكر والمنهجية هباء! فهذا يُجَرِّفُ الأمن الفكري لهذه الأمة ولا يقل خطراً عن السطحيِّ الصِّبيانيِّ الذي تسلل إلى الدعوة من كوةٍ صغيرة ولم يدخل من بابها لأنه ليس من أهلها ودأب ينخر كالسوس في الماضي وينقض درر العلماء السابقين الذين ربما أنهم حطوا رحالهم في الجنة منذ سنين وطفق يبدئ ويعيد.



إننا مبتلون بالتيارين معاً؛ تيار الظلمة لأمتهم من التغريبيين أهل الغواية الذين وقفوا على باب الثقافة فما نشروا إلا الخزايا، ومن الحكمة تأمين العقل المسلم وحفظه من غلمان الثقافة الذين يتمرغون في الآثام، وهم على الحقيقة لقطاء في عالم الفكر وقد غيروا وعكروا طهر الحياة ودمروا جمال القيم، أولى بهم أن يبعدوا أنفسهم وأقلامهم ورؤاهم عن عقول أفراد أمتنا:
لقيطٌ في الكتابة يدعيها
كدعوى الجُعْلِ في بُغْضِ السَّمَادِ
فَدَعْ عنْكَ الكِتابَةَ لسْتَ منها
ولو لطَّخْتَ وجهَكَ بالمِدَادِ



وأولى بمن لا يملك أهبة الفهم أن لا يتصدر المنابر لأنه لم يتعرف بعد إلى ثمرات المحابر وهو يدمر الأمن الفكري لهذه الأمة وغدا من غوائل الأمن ومعوقاته.

يجب علينا أن نجهد في صياغة الأمن العام بجناحيه المادي بحفظ الأرواح والنفوس والممتلكات والمعنوي بحفظ العقول والأخلاق والقيم.

ونسأل الله تعالى أن يستر عوراتنا ويؤمن روعاتنا.

إنه ولي ذلك والقادر عليه.

والحمد لله في بدءٍ وفي ختم.

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/112029/#ixzz4YBboFfhz


خدمات المحتوى
    زيارات 502


الشيخ حسين شعبان وهدان
تقييم
5.29/10 (8 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري