في
السبت 28 شوال 1438 / 22 يوليو 2017

جديد الأخبار والمقالات

15-جمادى الأول-1438 12:59 PM

الخطبة الأولى

الحمد لله محب الصابرين، والشاكرين، أحمده سبحانه وأشكره على نعم سابغة مترادفة نتنعم بها ممسين ومصبحين.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الذي نزل الكتاب، وهو يتولى الصالحين.

وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم، عبد الله ورسوله، إمام الصابرين، وسيد الشاكرين.

صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أئمة الأمة من بعده، في جميل الصبر، وكامل الشكر، إلى يوم يبعثون.



أما بعد: فيا أيها الناس:

فإن التقوى نِعمَ الزاد، وخيرُ اللباس، وإن أهلها في الدنيا والآخرة عند الله تبارك وتعالى هم أكرم الناس.



أيها الناس:

أحسنوا جوار نعم الله تعالى بذكرها وشكرها، والاعتراف له سبحانه بها، واستعمالها فيما يرضيه، والنأي بها بالصبر والحذر من استعمالها في معاصيه، فإنه قلما نفرت النعم وفرت من أهل بيت ومجتمع فعادت إليه، وتلكم سنة لله تعالى في الأمم والشعوب مطردة لا تتأخر ولا تتبدل، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم:7]، وكم ذكر الله تبارك وتعالى في محكم تنزيله، وصادق قيله، من أمة أنعم الله عليها بجلائل من نعمه وسوابغ من فضله، فلم يعترفوا لله بها، ولم يحسنوا جوارها، بل سئموها وملوها، وتعاطوا أسباب زوالها، وفرارها، إذ لم يصبروا عليها ويشكروها، قال تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [النحل:112،113]، وفي نبأ عاد وثمود ومدين وبني إسرائيل وسبأ معتبر ومزدجر لمن إدكر.



عباد الله:

واعتبروا بحال أمم معاصرة، ولدياركم مجاورة، وأبصاركم إليهم ناظرة، كانوا في نعم أمان واجتماع، وسداد أو قوام من العيش من غير انقطاع كيف تسببوا في إسقاط ولايتهم، وتفرق كلمتهم، وزوال أمنهم، ونغص معيشتهم، فصاروا بين تقتيل وتشريد، وتحزب وتشرذم، وفتنة تموج بهم كما يموج البحر، حتى صاروا في غابة من البلاء وشماتة الأعداء، حتى تراحم عليهم الأعداء، ولم يتراحم منهم الفرقاء، فصاروا في كل لحظة في فاجعة، وفي كل يوم يترقبون مصيبة موجعة، فاعتبروا يا أولي الألباب والنهى، واتعظوا بما وعظكم الله به من نبأ الكافرين للنعم من المتقدمين، وبما تشاهدون من زوال النعم عن المتسببين في زوالها من المعاصرين، فإن السعيد من وعظ بغيره، وإن الشقي من وعظ بنفسه، وقد أبلغ في الإعذار من تقدم بالإنذار.



أيها الناس:

كم في أبدانكم من نعم العقول والأسماع والأبصار، وكم في بيوتكم وبين ظهرانيكم من نعم الله السابغة الغزار، وكم في مرابعكم من خدمات الماء والصرف، والإنارة والاتصال، والأمن على الأنفس، والأعراض، والثروات، والوظائف والممتلكات، أمن في البيوت، وأمن في الطرق، وأمن في المنتجعات، وأمن في مواضع العبادات والاجتماعات، واجتماع الكلمة، وتوفر أسباب التواصل والمودة، كل أحد منكم في شأنه، وفي أنس مع أحبابه وإخوانه، فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون، واشكروا نعمة الله عليكم إن كنتم إياه تعبدون.



أيها المسلمون:

أكثروا من حمد الله وشكره على نعمه، فإنه سبحانه يحب أن يشكر ويحمد، فإنكم إن شكرتم الله فزاكم، فقولوا: اللهم لك الحمد شكراً، ولك المن فضلاً، ألا إنه ما أنعم الله على عبد نعمة فعلم أنها من الله، إلا كتب الله له شكرها قبل أن يحمده عليها، وما أنعم الله على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان حمده لله عليها أعظم منها، وأبقى ذخراً للعبد كائنة ما كانت، ومن أنعم الله عليه نعمة فأراد بقاءها ونماءها فليقل: ما شاء الله تبارك الله، لا قوة إلا بالله، قال تعالى: ﴿ وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾ [الكهف:39] الآية.



أيها المسلمون:

اعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، واذكروا واشكروا نعمة الله عليكم، واتقوا وأمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، واصبروا، وناصحوا من ولاه الله أمركم، وادعوا له توفقوا، وتعاونوا على البر والتقوى، وتناهوا عن الإثم والعدوان، وتناصحوا فيما بينكم، وتسامحوا وتصافحوا، ترحموا وتنصروا وتجبروا وتخصبوا وترزقوا.

فإن أصابكم شيء من هم أو نقص في رزق، أو فوات محبوب، أو تعسر مطلوب، فاصدقوا التوبة، والهجوا بالاستغفار، وأكثروا وأخلصوا لله تعالى في الدعاء من غير إثم ولا اعتداء، فإنه ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة، وإن لله تعالى الحكمة فيما يجريه على عبده من القدر والقضاء، فإنه تعالى يقضي بالحق، ويفعل ما يشاء، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ذلكم لأن قدره وقضاءه سبحانه في ملكه وعباده كله حق، وهو دائر بين الفضل على من أطاعه واتقاه، والعدل فيمن كذبه وعصاه، فإن الله لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها ويؤتي من لدنه أجراً عظيماً.



معشر المسلمين:

إنه مهما ينزل بالعبد المؤمن أو المجتمع المسلم من شدة أو نكبة، فإن الله تبارك وتعالى قد ابتلى من نزلت له ليظهر صبره وشكره، وإن الله تبارك وتعالى جاعل بعدها فرجاً، فإنه لن يغلب عسر يسرين، فإنه ما من عسر ينزل بأحد إلا وهو مسبوق يسر وملحوق بيسر فاصبروا عند النكبات، واحتسبوا عند المصيبات، وانتظروا الفرج عند الشدائد، قال تعالى في محكم الآيات: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران:200].



معشر المؤمنين:

إن للنكبات نهايات، وإن في المصيبات خلفاً وتعويضات، وإن للنوازل والشدات بعد نزولها إقلاعات، فينبغي لكل مؤمن من شخص أو جماعة إذا أصيب بشيء من هذه الأمور أن يسلم لله في القدر، ويصبر على المقدور، وأن يفعل ما أمره الله به عند ذلك، وأن يحسن الظن بالله تعالى عند ذلك، فإن حسن الظن بالله عند هذه الأحوال من عزائم الأمور، وأن يلح على الله تعالى بالدعاء، ويعظم الرجاء، بأن يعقب اللطف القضاء، فذلكم شأن كل صبار شكور، وأن ينتظر أوان اليسر والفرج مما نزل من المكروه، فإن للنوازل نهايات لابد أن تنقضي مدتها حتى يفلح العبد بالمحبوب عند نهايتها، وإن في استعجال رفعها أو المبادرة إلى دفعها قبل انقضاء مدتها زيادة في مكروهها وثقل تبعتها.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾ [النساء:66-70].

بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعنا بما فيه، وأنزل له من الهدى والبيان، واستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه.

أيها المسلمون:

وعظ أبو أمامة فقال: عليكم بالصبر فيما أحببتم أو كرهتم، فنعم الخصلة الصبر، ولقد أعجبتكم الدنيا، وجرت لكم أذيالها، ولبست ثيابها وزينتها. عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من خدش عود ولا عثرة قدر، ولا اختلاق عرق إلا بذنب، وما يعفوا الله عنه أكثر، ثم قرأ: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى:30])).



عباد الله:

إذا كثرت ذنوب العبد فلم يكن له من العمل ما يكفرها، ابتلاه الله بالحزن ليكفرها، روى أحمد والحاكم عن عائشة رضي الله عنها: ((إذا قصر العبد في العمل ابتلاه الله بالهم، إن الرجل ليكون له المنزلة عند الله فما يبلغها بعمل، فلا يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها)).

ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقي الله وما عليه خطيئة، روى أحمد والترمذي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلي الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة)).



معشر المسلمين:

وللبلاء بالمكاره حكم كثيرة، ففي المسند والصحيحين عن أبي سعيد وأبي هريرة معاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه))، وفي الترمذي عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة، إن الله ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء، وإن الله ليحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمى المريض أهله من الطعام، إن عظم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط)) ورواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه.



وروى أحمد ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قاربوا واسددوا ففي كل ما يصاب المسلم كفارة، حتى النكبة أو الشوكة يشاكها، ما ضرب من مؤمن عرق قط إلا حط الله عنه به خطيئة، وكتب له به حسنة، ويرفع له به درجة)) ورواه الحاكم عن عائشة رضي الله عنها. وعن أبي فاطمة الضمري قال صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده إن الله ليبتلي المؤمن بالبلاء وما يبتليه إلا لكرامته عليه))، وفي لفظ: ((إن العبد لتكون له الدرجة في الجنة فما يبلغها بشيء من عمله، فيبتليه الله بالبلاء ليبلغ تلك الدرجة، وما يبلغها بشيء من عمله)).

روى الترمذي والبيهقي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله، ولا أن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها أبقيت لك)).



سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/110219/#ixzz4YSo8yXiG


خدمات المحتوى
    زيارات 357


الشيخ عبدالله بن صالح القصيِّر
تقييم
1.00/10 (1 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري