التحديث الأخير كان بتاريخ :
ملخص الخطبة
1- تكريم الله تعالى لبني آدم. 2- حفظ الضرورات الخمس. 3- ظاهرة الاستهانة بالدماء المعصومة. 4- جريمة قتل المسلمين والمعاهدين. 5- عظم أمر الدماء في الإسلام. 6- سبب انتشار القتل. 7- تجريم قتل الفرنسيين الأربعة وبيان ما في ذلك من المفاسد.
الخطبة الأولى
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ الذي أَنتُم بِهِ مُؤمِنُونَ، وَاتَّقُوا اللهَ وَاعلَمُوا أَنَّكُم مُلاَقُوهُ وَبَشِّرِ المُؤمِنِينَ .
أَيُّهَا المُسلِمُونَ، ممَّا لا يَجهَلُهُ امرُؤٌ عَاقِلٌ حَصِيفٌ ـ فَضلاً عَن مُؤمِنٍ تَقِيٍّ يَقرَأُ القُرآنَ وَيُؤمِنُ بِمَا جَاءَ فيه ـ تَكرِيمُ اللهِ لِلجِنسِ البَشَرِيِّ وَتَفضِيلُهُ لِلنَّوعِ الإِنسَانيِّ، قال سُبحَانَهُ: وَلَقَدْ كَرَّمنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلنَاهُم في البَرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلنَاهُم عَلَى كَثِيرٍ مِمَّن خَلَقنَا تَفضِيلاً .
وَإِنَّ مِن تَكرِيمِ اللهِ لَهَذَا الإِنسَانِ وَتَفضِيلِهِ إِيَّاهُ على سَائِرِ المَخلُوقَاتِ مَا جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَةُ مِن حِفظِ ضَرُورَاتٍ خمسٍ أَمَرَت بِرِعَايَتِهَا وَحَرَّمَتِ الاعتِدَاءَ عَلَيهَا، تِلكُم هِيَ الدِّينُ وَالنَّفسُ وَالعَقلُ وَالعِرضُ وَالمَالُ. وَكُلَّمَا قَوِيَ تَمَسُّكُ النَّاسِ بِدِينِهِمُ القَوِيمِ وَاستَقَامُوا على الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ وَطَبَّقُوا الشَّرِيعَةَ الغَرَّاءَ وَالتَزَمُوا أَوَامِرَ رَبِّهِم كَانُوا لِهَذِهِ الخَمسِ أَشَدَّ حِفظًا وَأَكثَرَ تَقدِيرًا، وَكُلَّمَا اشتَدَّت غُربَةُ الدِّينِ وَانتَشَرَ الجَهلُ وَقَلَّ العِلمُ كَانَ أَسهَلَ مَا عَلَى النَّاسِ الاستِهَانَةُ بِمَا حَرَّمَهُ اللهُ وَالوُقُوعُ فِيمَا نهى عنه.
وَإِنَّ ممَّا قَلَّ لَدَى الأُمَّةِ تَقدِيرُهُ في هذِهِ الأَزمِنَةِ وَنَقَصُوهُ قَدرَهُ وَهَيبَتَهُ وَلا سِيَّمَا مَعَ انتِشَارِ الفِتَنِ وَذَهَابِ أَهلِ العِلمِ الرَّاسِخِينَ الاستِهَانَةَ بِالدِّمَاءِ المُحَرَّمَةِ وَالأَنفُسِ المَعصُومَةِ، حَيثُ عَادَ المَرءُ لا يُبَالي بِمَن قَتَلَ وَلا بِعَدَدِ مَا مِن الأَروَاحِ أَزهَقَ، وَظَهَرَ مَن لا يَرعَى لِمُؤمِنٍ حُرمَةً، وَلا يَحفَظُ لِمُعَاهَدٍ عَهدًا، وَلا يَفِي بِعَهدِ إِمامٍ وَلا بِجِوَارِ مُسلِمِينَ.
وَلا يَخفَى ـ أَيُّها المُسلِمُونَ ـ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ الاعتِدَاءَ على الأَنفُسِ المَعصُومَةِ وَنهى عَن قَتلِهَا بِغَيرِ حَقٍّ، وَجَاءَ في الأَدِلَّةِ تَحرِيمُ قَتلِ المُسلِمِينَ أَوِ المُعَاهَدِينَ، وَالتَّأكِيدُ عَلَى حِفظِ ذِمَّةِ المُسلِمِينَ وَالتَّحذِيرُ مِنَ الغَدرِ وَنَقضِ العَهدِ الذي أَبرَمُوهُ، وَبَيَانُ أَنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ ارتَكَبَ كَبِيرَةً مِن كَبَائِرِ الآثَامِ، وَأَنَّ مَن قَارَفَ شَيئًا مِنهُ فَقَد وَقَعَ في مُوبِقَةٍ مِنَ المُوبِقَاتِ العِظَامِ وَالمُهلِكَاتِ الجِسَامِ، قَالَ تعالى: وَمَن يَقتُلْ مُؤمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ، وقال تعالى: مِنْ أَجلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفسًا بِغَيرِ نَفسٍ أَو فَسَادٍ في الأَرضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ، وقال جل وعلا: وَالَّذِينَ لا يَدعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقتُلُونَ النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَلا يَزنُونَ وَمَن يَفعَلْ ذَلِكَ يَلقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَومَ القِيَامَةِ وَيَخلُدْ فِيهِ مُهَانًا .
وَصَحَّ عنه عليه الصلاةُ والسلامُ أنه قال: ((لَنْ يَزَالَ المُؤمِنُ في فُسحَةٍ مِن دِينِهِ مَا لم يُصِبْ دَمًا حَرَامًا))، وقال عليه الصلاةُ والسلامُ في خُطبةِ الوَدَاعِ: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُم وَأَموَالَكُم وَأَعرَاضَكُم عَلَيكُم حَرَامٌ كَحُرمَةِ يَومِكُم هَذَا، في بَلَدِكُم هَذَا، في شَهرِكُم هَذَا، وَسَتَلقَونَ رَبَّكُم فَيَسأَلُكُم عَن أَعمَالِكُم، أَلا فَلا تَرجِعُوا بَعدِي ضُلالاً يَضرِبُ بَعضُكُم رِقَابَ بَعضٍ))، وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: ((لا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلِمٍ يَشهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلا بِإِحدَى ثَلاثٍ: النَّفسُ بِالنَّفسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّاني، وَالمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلجَمَاعَةِ))، وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم إِلاَّ بِحَقِّ الإِسلامِ، وَحِسَابُهُم عَلَى اللهِ))، وقال عليه الصلاةُ والسَّلامُ: ((لَزَوَالُ الدُّنيَا أَهوَنُ عَلَى اللهِ مِن قَتلِ رَجُلٍ مُسلِمٍ)).
وَنَظَرَ ابنُ عُمَرَ رضي اللهُ عنهما يَومًا إلى الكَعبَةِ فَقَالَ: (مَا أَعظَمَكِ وَأَعظَمَ حُرمَتَكِ! وَالمُؤمِنُ أَعظَمُ حُرمَةً عِندَ اللهِ مِنكِ)، وعن أُسَامَةَ بنَ زَيدٍ رَضِي اللهُ عَنهما قال: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ إِلى الحُرَقَةِ مِن جُهَينَةَ، فَصَبَّحنَا القَومَ فَهَزَمنَاهُم، وَلَحِقتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ رَجُلاً مِنهُم، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ، فَكَفَّ عَنهُ الأَنصَارِيُّ، فَطَعَنتُهُ بِرُمحِي حَتَّى قَتَلتُهُ، فَلَمَّا قَدِمنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ فَقَالَ لي: ((يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلتَهُ بَعدَمَا قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللهُ؟!)) قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا أَيْ: قَالَهَا لِيَتَّقِيَ سُيُوفَنَا، فقَالَ النَّبِيُّ : ((أَقَتَلتَهُ بَعدَمَا قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللهُ؟!)).
فَانظُرْ يَا رَعَاكَ اللهُ وَتَأَمَّلْ، هَذَا رَجُلٌ كَافِرٌ مُشرِكٌ مُحَارِبٌ، وَهُم مُجَاهِدُونَ في سَاحَةِ القِتَالِ، وَلَمَّا ظَفِرُوا بِهِ وَتَمَكَّنُوا مِنه نَطَقَ بِالتَّوحِيدِ، فَتَأَوَّلَ أُسَامَةُ قَتلَهُ عَلَى أَنَّهُ مَا قَالها إِلاَّ لِيَكُفُّوا عَن قَتلِهِ، وَمَعَ هَذَا لم يَقبَلِ النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ عُذرَ أُسَامَةَ وَتَأوِيلَهُ، فَكَيفَ بِمَن يَقتُلُونَ المُؤمِنِينَ لِشُبَهٍ وَقَعَت في قُلُوبِهِم أَو تَأَوُّلاتٍ بَاطِلَةٍ رَأَوها عَن قِلَّةِ عِلمٍ وَضِيقٍ أُفُقٍ؟! وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: ((أَلا مَن قَتَلَ نَفسًا مُعَاهَدَةً لَهُ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ فَقَد أَخفَرَ بِذِمَّةِ اللهِ، فَلا يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِن مَسِيرَةِ سَبعِينَ خَرِيفًا))، وقال : ((ذِمَّةُ المُسلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسعَى بها أَدنَاهُم، فَمَن أَخفَرَ مُسلِمًا فَعَلَيهِ لَعنَةُ اللهِ وَالملائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ، لا يَقبَلُ اللهُ مِنهُ يَومَ القِيَامَةِ صَرفًا وَلا عَدلاً)).
أَيُّهَا المُسلِمُونَ، إِنَّ أَمرَ الدِّمَاءِ عَظِيمٌ وَشَأنَهَا خَطِيرٌ، وَلِهَذَا كَانت هِيَ أَوَّلَ مَا يُقضَى فِيهِ بَينَ النَّاسِ يَومَ القِيَامَةِ. قال شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تِيمِيَّةَ رحمه اللهُ: "أمرُ الدِّمَاءِ أَعظَمُ وَأَخطَرُ مِن أَمرِ الأَموَالِ"، وقال رحمه اللهُ: "الفَسَادُ إِمَّا في الدِّينِ وَإِمَّا في الدُّنيا، فَأَعظَمُ فَسَادِ الدُّنيا قَتلُ النُّفُوسِ بِغَيرِ الحَقِّ، وَلِهَذَا كَان أَكبرَ الكَبَائِرِ بَعدَ أَعظَمِ فَسَادِ الدِّينِ الذِي هُوَ الكُفرُ" انتهى كلامُهُ.
وَإِنَّ مَا نُشَاهِدُهُ في هَذِهِ السَّنَوَاتِ المُتَأَخِّرَةِ مِن كَثرَةِ القَتلِ وَإِخفَارِ الذِّمَّةِ وَنَقضِ العَهدِ لَهُوَ نِتَاجُ قِلَّةِ العِلمِ وَرَوَاجِ الجَهلِ، وَأَثَرٌ مِن آثَارِ ضَعفِ الدِّينِ وَالتَّقوَى في القُلُوبِ، وَدَلِيلٌ على استِيلاءِ الشَّيطَانِ عَلَيهَا، قال : ((بَينَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَيَّامُ الهَرْجِ، يَزُولُ فيها العِلمُ، وَيَظهَرُ فِيهَا الجَهلُ))، وَقَالَ: ((إِنَّ بَينَ يَدَيِ السَّاعَةِ الهَرْجَ))، قَالُوا: وَمَا الهَرْجُ؟ قال: ((القَتلُ))، قَالُوا: أَكثَرُ ممَّا نَقتُلُ؟! إِنَّا نَقتُلُ في العَامِ الوَاحِدِ أَكثَرَ مِن سَبعِينَ أَلفًا، قَالَ: ((إَنَّهُ لَيسَ بِقَتلِكُمُ المُشرِكِينَ، وَلَكِنْ قَتلُ بَعضِكُم بَعضًا))، قَالُوا: وَمَعَنَا عُقُولُنَا يَومَئِذٍ؟! قال: ((إِنَّهُ لَيُنزَعُ عُقُولُ أَكثَرِ أَهلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَيُخلَفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنَ النَّاسِ يَحسَبُ أَكثَرُهُم أَنَّهُ عَلَى شَيءٍ وَلَيسُوا عَلَى شَيءٍ)).
أَلا فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا المُسلِمُونَ، وَاحذَرُوا الفِتَنَ، وَابتَعِدُوا عَن مَوَاطِنِهَا، وَسَلُوا اللهَ العَافِيَةَ مِن ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا، وَتَمَسَّكُوا بِالعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، وَالزَمُوا الرَّاسِخِينَ مِن أَهلِ العِلمِ، وَإِيَّاكُم وَآرَاءَ المُتَسَرِّعِينَ المُتَخَبِّطِينَ.
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، قُلْ تَعَالَوا أَتلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُم عَلَيكُم أَلاَّ تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا وَبِالوالِدَينِ إِحسَانًا وَلاَ تَقتُلُوا أَولادَكُم مِن إملاقٍ نحنُ نَرزُقُكُم وَإِيَّاهُم وَلاَ تَقرَبُوا الفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقتُلُوا النَّفسَ التى حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ ذلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُم تَعقِلُونَ وَلاَ تَقرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلاَّ بِالتي هِيَ أَحسَنُ حَتَّى يَبلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوفُوا الكَيلَ وَالمِيزَانَ بِالقِسطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفسًا إِلاَّ وُسعَهَا وَإِذَا قُلتُم فَاعدِلُوا وَلَو كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهدِ اللهِ أَوفُوا ذلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُم تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُستَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُم عَن سَبِيلِهِ ذلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ .
الخطبة الثانية
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقوا اللهَ تَعالى حَقَّ التَّقوَى، وَتمَسَّكُوا مِنَ الإِسلامِ بِالعُروَةِ الوُثقَى.
أَيُّها المُسلِمُونَ، يَقُولُ : ((مَن قَتَلَ مُعَاهَدًا لم يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ)). وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ وَتَهدِيدٌ أَكِيدٌ لِمَن قَتَلَ مُعَاهَدًا مُستَأمَنًا، وَلَقَد زَيَّنَ الشَّيطَانُ لِبَعضِ الجَهَلَةِ تَجَاهُلَ هَذَا الوَعِيدِ بِحجَجٍ وَاهِيَةٍ وَذَرَائِعَ ضَعِيفَةٍ، فَعَمَدُوا إلى قَتلِ بَعضِ المُعَاهَدِينَ في دِيَارِ المُسلِمِينَ، وَأَخفَرُوا ذِمَمَ إِخوَانِهِم وَنَقَضُوا عَهدَ إِمَامِهِم، وَمِن هُنَا فَإِنَّهُ يَجِبُ أَن يُعلَمَ أَنَّ كُلَّ مَن أُعطِيَ إقامةً مِنَ الإِمَامِ أَو نُوَّابِهِ أَو مُوَظَّفِيهِ وَهُوَ غَيرُ مُسلِمٍ فَإِنَّهُ مُعَاهَدٌ مُستَأمَنٌ، لا يَجُوزُ التَّعرُّضُ لَهُ في دَمِهِ أَو مَالِهِ أَو عِرضِهِ بِحُجَّةِ أَنَّهُ كَافِرٌ، أَو أَنَّ بَلَدَهُ مُحَارِبٌ لِلمُسلِمِينَ، فَإِنَّهُ لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى، وَلَيسَ مِنَ العَدلِ أَوِ الشَّجَاعَةِ أَن يَظلِمَكَ إِنسانٌ مُحَارِبٌ ظالمٌ فَتَنتَقِمَ وَتَعتَدِيَ عَلَى آخَرَ، وَلا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مُعَاهَدًا مُستَأمَنًا، واللهُ جل وعلا يقُولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالقِسطِ وَلاَ يَجرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَومٍ عَلَى أَلاَّ تَعدِلُوا اعدِلُوا هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعمَلُونَ .
وَإِنَّ مَا وَقَعَ في أَيَّامٍِ خَلَت في هَذِهِ البِلادِ مِن قَتلٍ وَعُدوَانٍ وَظُلمٍ وَبَغيٍ عَلى نُفُوسٍ لا ذَنبَ لها لَهُوَ عَمَلٌ إجرَامِيٌّ شَنِيعٌ وَفَسَادٌ عَظِيمٌ، جَمَعَ مُنَفِّذُوهُ بَينَ ارتِكَابِ كَبِيرَةٍ مَن كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَالوُقُوعِ في مَفَاسِدَ لا تُحمَدُ عَوَاقِبُهَا، قَتَلُوا النَّفسَ التي حَرَّمَ اللهُ قَتلَهَا، وَعَصَوا وَليَّ أَمرِ المُسلِمِينَ، وَخَرَجُوا عَلَى الجَمَاعَةِ، وَأَخفَرُوا الذِّمَّةَ، وَنَقَضُوا العَهدَ، وَغَدَرُوا، وَشَوَّهُوا صُورَةَ الإِسلامِ الكَرِيمَةَ، وَأَسَاؤُوا إِلى تَعَالِيمِهِ المُستَقِيمَةِ، في صُورَةٍ بَشِعَةٍ مِن صُوَرِ قَطعِ الطَّرِيقِ وَتَروِيعِ الآمِنِينَ وَعَدَمِ الوَفَاءِ.
أَلا فَاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ، وَاحفَظُوا النِّعَمَ، وَاحذَرُوا الجُرأةَ عَلى المَعاصِي، فَإِنَّهَا تَجلِبُ النِّقَمَ، أَوفُوا بِالعُهُودِ وَاعدِلُوا وَأَحسِنُوا، وَاحذَرُوا الغَدرَ وَالفُجُورَ ولا تَبغُوا ولا تَظلِمُوا، كُونُوا مَعَ الجَمَاعَةِ وَالزَمُوا الطَّاعَةِ، وَاحذَرُوا الاختِلافَ وَالفُرقَةَ، وَأَعطُوا صُورَةً حَسَنَةً عَن دِينِكُم وَبِلادِكُم بِلادِ الحَرَمَينِ، وَكُونُوا دُعَاةً بِأَخلاقِكُم وَحُسنِ تَعَامُلِكُم، وَاعتَصِمُوا بِحَبلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذكُرُوا نِعمَةَ اللهِ عَلَيكُم إِذ كُنتُم أَعدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُم فَأَصبَحتُم بِنِعمَتِهِ إِخوَانًا وَكُنتُم عَلَى شَفَا حُفرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِنهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُم آيَاتِهِ لَعَلَّكُم تَهتَدُونَ وَلتَكُنْ مِنكُم أُمَّةٌ يَدعُونَ إِلى الخَيرِ وَيَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُم المُفلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاختَلَفُوا مِن بَعدِ مَا جَاءَهُم البَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَابٌ عَظِيمٌ .
-----
موقع المنبر
نشر بتاريخ 05-09-2009
أضف تقييمك
التقييم: 8.03 /10 (129 صوت)
القائمة الرئيسية
Powered by v2.0.5 Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.amnfkri.com - All rights reserved