خريطة الموقع | اتصل بنا | من نحن | القاعة الفكرية | الأخبار | الرئيسية
 
خريطة الموقع
التحديث الأخير كان بتاريخ :

الغامدي غرّر بابني ويرفض مكالمة والديه إمعاناً في العقوق  «^»  العزاوي: عصابة بوش «المخلص» روجت كذبة «الإرهاب الإسلامي»  «^»  نعم الإسلام دين المحبة والألفة والإخاء  «^»  واشنطن تتخلى عن عبارة الحرب على الإرهاب  «^»  تركي الفيصل يطالب التعليم العالي بتأهيل الطلاب قبل ابتعاثهم  «^»  التدريب على كشف غسل الأموال وتمويل الإرهاب  «^»  خادم الحرمين: مبادرتنا للحوار بين اتباع الديانات والمعتقدات تزيل سوء الفهم وتنبذ مظاهر الخلاف والكراهية  «^»  الولايات المتحدة تحذر من هجمات إرهابية محتملة خلال كأس العالم  «^»  80 قتيلاً في هجومين على مسجدين في لاهور شرق باكستان   «^»  أمير جازان يستقبل أعضاء لجنة برنامج الأمن الفكري في «الشؤون الإسلامية» جديد الأخبار


القاعة الفكرية
مراجعات
الجماعات الإسلامية في ليبيا
"الجماعة المقاتلة" في ليبيا علي خط المراجعات

السـيد زايـد

منذ ما يقرب من عامين بدأ الحوار بين الدولة الليبية وقادة الجماعة الإسلامية المقاتلة في السجون، وكان من ثمار هذا الحوار الإفراج عن حوالي 136 عضوا من عناصر "المقاتلة" بعد أن تراجعوا عن فكر الجماعة وحمل السلاح في وجه النظام، بينما ظل قرابة 170 عضوا داخل السجون مصرين على مواقفهم ويبدون تصلبا حيال القبول بفكرة الحوار والتراجع عن أفكارهم "الجهادية".
ومؤخرا دار الحديث عن جولة نهائية للحوار بين الجماعة والدولة بقيادة مؤسسة القذافي للتنمية، التي يرأسها سيف الإسلام نجل الرئيس الليبي، ومن أهم ما رشح عن هذه الجولة الحوارية الإعلان عن قرب صدور مراجعات فكرية للجماعة المقاتلة وقناعاتها على غرار المراجعات التي أصدرتها الجماعات الإسلامية في مصر "الجماعة الإسلامية والجهاد" (مبادرة وقف العنف للجماعة الإسلامية 1997، ووثيقة ترشيد العمل الجهادي للشيخ سيد إمام 2007).

ففي بيان صدر في العاشر من مارس 2009، عن أمير الجماعة المقاتلة في السجن عبد الحكيم بلحاج، وكنيته أبو عبد الله الصادق أثنى خلاله على جهود سيف الإسلام القذافي في تهيئة مناخ من الثقة بين الجماعة والدولة ضمانا لنجاح الحوار، معترفا بأن مسيرة الحوار "لم تكن سلسة في كل مراحلها فقد كان المشروع غريبا وجديدا في بدايته، ثم مر بالكثير من المختنقات؛ والتي كان بعض أسبابها عدم توفر الثقة الكاملة بيننا وبين الأجهزة المعنية".

وفي إشارة إلى المراجعات الفكرية لجماعته يقول الصادق: "إن هذه الثقة تجعلنا نسير بخطوات ثابتة في قطع ما بقي من مراحل، والتي سوف تتضمن كتابة بحوث ودراسات شرعية تبين نظرتنا للواقع ودورنا فيه من أجل المساهمة في مسيرة الإصلاح والتنمية"، ولعل هذا الحديث عن كتابة البحوث والدراسات الشرعية الجديدة من قبل الصادق هو أهم ما ورد في البيان.

وهو ما أكده وسيط الحوار بين الدولة والجماعة الشيخ علي الصلابي المفكر الإسلامي الليبي المقيم في دولة قطر، والذي كشف عن أن "هذه المراجعات ربما تفوق مراجعات الإسلاميين في مصر لقوة الصياغة، وحضور الأدلة، وروعة البيان، وأنها سوف تشمل الأمور الفكرية والعقائدية الحساسة في العالم الإسلامي، كحكم الناس في بلاد المسلمين، ومن هم المؤهلون لإنزال الأحكام؟ ومتى يجوز إنزال الحكم ومتى لا يجوز؟ وحكم الأعمال المسلحة في بلاد المسلمين وبلاد الغرب، والعمل المسلح من أجل التغيير والإصلاح، وحكم الجهاد، ومتى يكون وما هي شروطه؟ وغير ذلك من المسائل والأفكار والعقائد".

وحضر الحوار قادة المقاتلة، وعلى رأسهم أبو عبد الله الصادق، وأبو منذر الساعدي المسئول الشرعي في الجماعة، ومؤلف كتاب "خطوط عريضة في منهج الجماعة الإسلامية المقاتلة" الذي يشرح فيه رؤية الجماعة للعمل الجهادي، ومنهجها وموقفها من الواقع، كما حضر الحوار عبد الوهاب قايد، ومفتاح الداودي، وعدد آخر من القادة، ويؤكد الصلابي أن هناك جدية في مراجعتهم للأفكار".

الحديث عن مراجعات "المقاتلة" بهذه الجدية يدفعنا إلى البحث عن تفسير لأهمية صدور مثل هذه المراجعات، وتأثيرها على الأوضاع داخل الجماعة وخارجها، ومن هو المستفيد من صدور مراجعات فكرية للمقاتلة في ليبيا، وما هو موقف قادة الجماعة الذين أعلنوا في فترة سابقة انضمامهم إلى تنظيم القاعدة من المراجعات حال صدورها، وهل تمت استشارتهم أم لا؟.

الدولة والمقاتلة

تقودنا محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات إلى رصد تطورات العلاقة بين الجماعة والدولة الليبية، وتاريخيا فإن "المقاتلة" بدأت نشاطها بعد عودة الأفغان الليبيين إلى بلدهم؛ حيث توجه نحو 2500 من الليبيين الذين شاركوا في الجهاد الأفغاني ضد السوفييت إلى ليبيا يقودهم أبو عبد الله الصادق، والذي كان قد التحق بالجهاد الأفغاني بعد إنهاء دراسته للهندسة في ليبيا.

وإذا كان الصادق وزملاؤه هاجروا إلى أفغانستان رغبة في الجهاد ضد الروس، فإنهم عادوا إلى بلدهم معبئين بحلم إقامة دولة الخلافة الإسلامية على أنقاض نظام العقيد معمر القذافي، متأثرين في أفكارهم بالشيخ عبد الله عزام الإخواني، ومعارضين في ذات الوقت لـ"بن لادن" الذي جعل الأولوية لمحاربة أمريكا والغرب والصهيونية العالمية.

عمل الصادق منذ عام 1993 على تجميع المجاهدين تحت راية واحدة (الجماعة الإسلامية المقاتلة)، ووقع الاختيار على منطقة الجبل الأخضر في محيط مدن درنة وأجدابيا وبنغازي شرقي ليبيا؛ وذلك لعدة أسباب، منها أن هذه المنطقة شهدت ولادة الجيل الأول للحركة الإسلامية، كما أن أهلها يعارضون حكم القذافي؛ حيث كانت المنطقة مقرا للحركة السنوسية، والطبيعة الجغرافية، والجبال تبدو مكانا مناسبا للاختفاء، وحرب العصابات، والكر والفر.

نجح الصادق في تجنيد الكثير من الليبيين، وذلك بمساعدة أحد الشباب الذين ذاع صيتهم في حقل الجهاد العالمي فيما بعد؛ وهو أبو الليث الليبي، والذي أصبح عضوا في مجلس شورى الجماعة المقاتلة، واستطاعت الجماعة بالفعل أن تنمو بسرعة في جو من السرية، ورغم ذلك تمكنت السلطات الليبية أن تكشفها بعد حادث مزرعة بنغازي 1995، والذي عثرت السلطة فيه على مقر للتدريب، ومخزن للأسلحة تابع للجماعة، وعلى إثر المواجهات المسلحة انتحر قائد المجموعة "صالح الشهيبي" وهو أحد الضباط المنشقين عن الجيش الليبي، والذي كان قد انضم للجماعة في وقت سابق.

واستمرت هذه المواجهات لمدة أربع سنوات أخرى قتل خلالها العشرات من الطرفين، الجماعة والجيش، ونجا خلالها القذافي نفسه من محاولات عدة لاغتياله، ولذا نظر القذافي إلى حربه مع الجماعة على أنها حرب وجود، فكرس كل قواته في سبيل القضاء عليها.

ومما يروى من فصول الحرب أن الطائرات الليبية، بقيادة طيارين من الصرب، وتحت إشراف المعتصم نجل القذافي، قامت عام 1996 بقصف أعضاء الجماعة في منطقة الجبل الأخضر مستخدمة في ذلك النابالم والأسلحة الكيماوية. كما نجحت السلطة في مطاردة الجماعة، وعزلها في مدن "درنة وأجدابيا وبنغازي" في الشرق، ومع استمرار القتال وضراوته تتشتت صفوف الجماعة، ويذكر أحد أعضائها أن الأمن الليبي قتل 1200 عضو من الجماعة في يوم واحد خلال المواجهات.

ومثلما كان صعود التنظيم سريعا فإن السقوط كان مدويا، وبمقتل أبو عبد الرحمن الحطاب (صلاح فتحي سليمان) أحد أهم القادة الميدانيين للجماعة أثناء معركة شرسة مع الجيش تتراجع الجماعة، وينحصر مصير أعضائها في القتل، والتصفية الجسدية، أو السجن، أو الهجرة إلى الخارج. نجاح الحملة الأمنية ضد الجماعة كان سببا لأن يعلن القذافي للعالم في عام 1999 قضاءه على الإسلاميين الليبيين الذين دربتهم الولايات المتحدة الأمريكية في م عسكرات أفغانستان.



متغيرات جديدة

تغيرت أوراق اللعبة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وباتجاه أمريكا لمطاردة الإسلاميين، تجد ليبيا الفرصة مواتية لملاحقة أعضاء الجماعة في الخارج، وبدلا من العداء لأمريكا أبدى نظام العقيد استعداده للتعاون مع الأمريكان في مطاردتهم للإسلاميين، وبعد اجتماع سري في لندن تسلمت المخابرات الأمريكية "سي.آي. إيه" أسماء 14 من قيادات الجماعة في الخارج، والذين كانوا يقيمون آنذاك في لندن.

وفي فترة لاحقة وبعد سقوط بغداد تنتقل ليبيا من معسكر العداء لأمريكا إلى الأصدقاء، معلنة عن تفكيك برنامجها النووي، وفي المقابل يتم رفع الحصار المفروض على ليبيا، ووضع "المقاتلة" على قائمة المنظمات الإرهابية التي تستهدفها أمريكا ضمن حربها الشاملة على الإرهاب.

بعدها ألقت المخابرات الأمريكية القبض على اثنين من أهم قادة الجماعة الهاربين بالخارج، وتم تسليمهما للقذافي، وهما أبو عبد الله الصادق، وأبو المنذر الساعدي، والأول ألقي القبض عليه في تايلاند، والثاني في هونج كونج، كما عقدت ليبيا اتفاقا مع بريطانيا عام 2005 تسلمت بموجبه أعضاء الجماعة، وخلال العام 2006 يتم شطب ليبيا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

المراجعات.. من المستفيد؟

يتضح من خلال ما سبق أن الدولة الليبية هي المستفيد الأول من الحوار مع الجماعة، ولا يستبعد حسن أبو هنية الخبير الأردني في شئون الحركات الإسلامية الحديث عن عقد صفقة بين الدولة وقادة الجماعة، وذلك بهدف إضفاء نوع من الشرعية على نجل القذافي، باعتباره رجلا متنوعا يقبل بالحوار مع جميع الفرقاء السياسيين.

والحوار كذلك يسهم في تغيير الصورة الذهنية السيئة عن نظام القذافي في التعامل مع الإسلاميين -كما يقول أبو هنية- فالحوار لن يضر النظام؛ بل سيفيده.. خاصة أن الأوضاع بين الدولة والجماعة كانت مرشحة للانفجار في أي وقت من قبل الجماعة وأنصارها في ليبيا؛ فرغم الحرب الشرسة التي شنها النظام ضد الجماعة ومحاصرتها فإنه لم يتمكن من القضاء على فكرها واقتلاعه من جذوره.

الحديث عن العلاقة بين الدولة والجماعة في نظر أبو هنية كان موجودا داخل قطاع كبير من أعضاء الجماعة منذ منتصف التسعينيات؛ حيث كانت هناك شريحة ترى في فتح قناة للحوار مع النظام مصلحة تتعدى مفاسده، ولكن الذي لم يكن متوقعا هو أن يشارك في الحوار قادة الجماعة مثل أبو عبد الله الصادق، والساعدي اللذين رفضا الحوار منذ البداية؛ فالساعدي كان المسئول الشرعي للجماعة وواضع أسسها، والصادق بويع كأمير للجماعة.

ولكن دخول القادة في الحوار يمكن أن ننظر إليه في سياق أوسع، وهو حلقة المراجعات التي يزداد اتساعها يوما بعد يوم من الأردن إلى مصر والجزائر والمغرب وأخيرا ليبيا، وذلك لأن هذه الجماعات قامت من أجل هدف محدد، وهو قتال العدو القريب، وهو النظم الحاكمة، ولم تكن تتوقع لهذا القتال أن يدخل في دائرة العالمية، وذلك بسبب أحداث سبتمبر التي أدخلت هذه الجماعات في إطار الحرب العالمية على الإرهاب، وهو ما دفعها إلى التراجع عن بعض أفكارها، وقبولها بالحوار مع الأنظمة، ومن ثم الرضوخ لشروطها، حسبما يقول أبو هنية.

من ناحية أخرى فإن المراجعات ستسهم في تحسين وجه النظام الليبي أمام الولايات المتحدة الأمريكية، وتخفف من الضغوط عليه، وستؤكد على أن ليبيا تسير بخطى ثابتة في تجفيف منابع الإرهاب والتطرف، وتفسير هذه النقطة يكمن في الوثائق التي عثرت عليها القوات الأمريكية في مدينة "سنجار" على الحدود العراقية السورية عام 2007، عرفت باسم "وثائق سنجار" وهي تتبع تنظيم القاعدة في العراق.

وفوجئ الأمريكان بعد تحليل الوثائق أن الليبيين يحتلون مكانة متقدمة في صفوف القاعدة بالعراق؛ "فقد تبين أن نحو 19% من المقاتلين الواردة أسماؤهم في سجلات سنجار، والبالغ عددهم 606، جاءوا إلى العراق من ليبيا"، وقد كان معروفا قبل هذه الوثائق أن السواد الأعظم من المقاتلين الأجانب في العراق هم من السعودية. وأكدت الوثائق أن 58% من الليبيين الذين عملوا في العراق تطوعوا لتنفيذ عمليات استشهادية، وهي نسبة أعلى بكثير من الجنسيات الأخرى إذا استثنينا المغاربة.

متغيرات جديدة

تغيرت أوراق اللعبة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وباتجاه أمريكا لمطاردة الإسلاميين، تجد ليبيا الفرصة مواتية لملاحقة أعضاء الجماعة في الخارج، وبدلا من العداء لأمريكا أبدى نظام العقيد استعداده للتعاون مع الأمريكان في مطاردتهم للإسلاميين، وبعد اجتماع سري في لندن تسلمت المخابرات الأمريكية "سي.آي. إيه" أسماء 14 من قيادات الجماعة في الخارج، والذين كانوا يقيمون آنذاك في لندن.

وفي فترة لاحقة وبعد سقوط بغداد تنتقل ليبيا من معسكر العداء لأمريكا إلى الأصدقاء، معلنة عن تفكيك برنامجها النووي، وفي المقابل يتم رفع الحصار المفروض على ليبيا، ووضع "المقاتلة" على قائمة المنظمات الإرهابية التي تستهدفها أمريكا ضمن حربها الشاملة على الإرهاب.

بعدها ألقت المخابرات الأمريكية القبض على اثنين من أهم قادة الجماعة الهاربين بالخارج، وتم تسليمهما للقذافي، وهما أبو عبد الله الصادق، وأبو المنذر الساعدي، والأول ألقي القبض عليه في تايلاند، والثاني في هونج كونج، كما عقدت ليبيا اتفاقا مع بريطانيا عام 2005 تسلمت بموجبه أعضاء الجماعة، وخلال العام 2006 يتم شطب ليبيا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

المراجعات.. من المستفيد؟

يتضح من خلال ما سبق أن الدولة الليبية هي المستفيد الأول من الحوار مع الجماعة، ولا يستبعد حسن أبو هنية الخبير الأردني في شئون الحركات الإسلامية الحديث عن عقد صفقة بين الدولة وقادة الجماعة، وذلك بهدف إضفاء نوع من الشرعية على نجل القذافي، باعتباره رجلا متنوعا يقبل بالحوار مع جميع الفرقاء السياسيين.

والحوار كذلك يسهم في تغيير الصورة الذهنية السيئة عن نظام القذافي في التعامل مع الإسلاميين -كما يقول أبو هنية- فالحوار لن يضر النظام؛ بل سيفيده.. خاصة أن الأوضاع بين الدولة والجماعة كانت مرشحة للانفجار في أي وقت من قبل الجماعة وأنصارها في ليبيا؛ فرغم الحرب الشرسة التي شنها النظام ضد الجماعة ومحاصرتها فإنه لم يتمكن من القضاء على فكرها واقتلاعه من جذوره.

الحديث عن العلاقة بين الدولة والجماعة في نظر أبو هنية كان موجودا داخل قطاع كبير من أعضاء الجماعة منذ منتصف التسعينيات؛ حيث كانت هناك شريحة ترى في فتح قناة للحوار مع النظام مصلحة تتعدى مفاسده، ولكن الذي لم يكن متوقعا هو أن يشارك في الحوار قادة الجماعة مثل أبو عبد الله الصادق، والساعدي اللذين رفضا الحوار منذ البداية؛ فالساعدي كان المسئول الشرعي للجماعة وواضع أسسها، والصادق بويع كأمير للجماعة.

ولكن دخول القادة في الحوار يمكن أن ننظر إليه في سياق أوسع، وهو حلقة المراجعات التي يزداد اتساعها يوما بعد يوم من الأردن إلى مصر والجزائر والمغرب وأخيرا ليبيا، وذلك لأن هذه الجماعات قامت من أجل هدف محدد، وهو قتال العدو القريب، وهو النظم الحاكمة، ولم تكن تتوقع لهذا القتال أن يدخل في دائرة العالمية، وذلك بسبب أحداث سبتمبر التي أدخلت هذه الجماعات في إطار الحرب العالمية على الإرهاب، وهو ما دفعها إلى التراجع عن بعض أفكارها، وقبولها بالحوار مع الأنظمة، ومن ثم الرضوخ لشروطها، حسبما يقول أبو هنية.

من ناحية أخرى فإن المراجعات ستسهم في تحسين وجه النظام الليبي أمام الولايات المتحدة الأمريكية، وتخفف من الضغوط عليه، وستؤكد على أن ليبيا تسير بخطى ثابتة في تجفيف منابع الإرهاب والتطرف، وتفسير هذه النقطة يكمن في الوثائق التي عثرت عليها القوات الأمريكية في مدينة "سنجار" على الحدود العراقية السورية عام 2007، عرفت باسم "وثائق سنجار" وهي تتبع تنظيم القاعدة في العراق.

وفوجئ الأمريكان بعد تحليل الوثائق أن الليبيين يحتلون مكانة متقدمة في صفوف القاعدة بالعراق؛ "فقد تبين أن نحو 19% من المقاتلين الواردة أسماؤهم في سجلات سنجار، والبالغ عددهم 606، جاءوا إلى العراق من ليبيا"، وقد كان معروفا قبل هذه الوثائق أن السواد الأعظم من المقاتلين الأجانب في العراق هم من السعودية. وأكدت الوثائق أن 58% من الليبيين الذين عملوا في العراق تطوعوا لتنفيذ عمليات استشهادية، وهي نسبة أعلى بكثير من الجنسيات الأخرى إذا استثنينا المغاربة.

رؤية القاعدة



كان قادة "المقاتلة" قد أبدوا استعدادهم خلال الحوار مع الدولة لإعلان موقف واضح ينفي انضمامهم إلى تنظيم القاعدة، والأكثر من ذلك استعدادهم لإدانة تصرفات بعض الجماعات المتشددة، بما فيها القاعدة، ومستعدون أيضا لتأكيد رفضهم لعمليات عنف في ليبيا، ولعل مما تأخذه القاعدة على المقاتلة إدانتها لأحداث سبتمبر المتورط فيها تنظيم القاعدة من الأساس، وهو ما يعطي مؤشرات واضحة عن موقف القاعدة من الجماعة.

ويستوجب الحديث عن مراجعات المقاتلة معرفة موقف قيادات الجماعة بالخارج، ونقصد هنا ذلك الفصيل الذي أعلن نهاية عام 2007، وبقيادة أبو الليث الليبي الانضواء تحت راية تنظيم القاعدة ضمن ما عرف بـ"تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي". وحقيقة فإنه رغم عدم صدور بيانات توضح هذا الموقف فقد تناثرت أنباء منذ فترة تؤكد أن انضمام أبو الليث ورفاقه إلى القاعدة جاء دون استشارة قادة المقاتلة في السجون.

وكشفت مصادر أخرى عن أن قادة المقاتلة في السجون طلبوا استشارة أبو الليث -قبل مقتله في غارة أمريكية على مدينة وزيرستان عام 2008- في شرعية الحوار مع الدولة، ولكن أبو الليث لم يرد على طلب قادة المقاتلة، وهو الموقف ذاته الذي يتخذه أبو يحيى الليبي أحد الوجوه الصاعدة في قيادة "القاعدة".

وعدم الرد موقف، فمن المحتمل أن أبو الليث ورفاقه تركوا مسألة تحمل المسئولية الشرعية عن الحوار، أو إصدار المراجعات معلقة في رقبة القادة في السجون، ويعبر هذا من جانب آخر عن رفضهم للحوار مع الأنظمة؛ باعتبارهم جزءا من تنظيم القاعدة ورؤيته التي ترفض التراجع عن الأفكار الجهادية.

وموقف القاعدة من أي مراجعات فكرية يبدو واضحا بالنظر للحالة المصرية، فقد قوبلت "وثيقة ترشيد العمل الجهادي" للشيخ سيد إمام بمعارضة وهجوم شديدين من قبل الظواهري الرجل الثاني في القاعدة، والذي رفض مراجعات الشيخ سيد إمام في كتاب "التبرئة"، ومؤخرا هاجم أبو يحيى الليبي وثيقة إمام ورد عليه في دراسة حملت عنوان "التبديد لوثيقة الترشيد".

ويشير حسن أبو هنية في هذا الشأن إلى أن فكر القاعدة الجهادي ليس فيه مجال لتعدد الرؤى والقراءات، وليس هناك مجال لأي انحراف أو خروج عن المنهج، وفي حال صدور مراجعات للمقاتلة سيكون هناك موقف محدد حيالها، وإذا كان أبو يحيى الليبي غير قادر الآن على معارضة أمرائه السابقين في "المقاتلة" فسيتغير هذا الموقف في المستقبل؛ لأنه أصبح جزءا من تنظيم القاعدة.


--------------------------------------------------------------------------------

السـيد زايـد - صحفي بموقع الإسلاميون.نت


نشر بتاريخ 31-10-2009  


أضف تقييمك

التقييم: 6.24/10 (269 صوت)


 

القائمة الرئيسية

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.amnfkri.com - All rights reserved